السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

34

مفاتيح الأصول

والنسيان إفادتهما الظن لا كونهما من الأسباب ككون من الأسباب اليد المفيدة للملكية ولذا لو ورد خطاب ممن يكثر منه السّهو في الغاية في ذكر القرينة لم يعمل به ولا نحكم بأنه أراد المعنى الحقيقي وهذا أيضا مما يشهد به سيرة العقلاء فهو شاهد قوي على أصل مطلبنا فتأمل ولا يقال حيث يحصل الشك في وجود القرينة يجب الحكم بعدمها عملا باستصحاب عدمها لضرورة أن القرينة من الحوادث وقد تقرر أن كل حادث يشك في وجوده فالأصل عدمه وحيث حكم بعدمها تعين الحمل على الحقيقة لوجود شرطها وهو عدم وجود قرينة المجاز ولا يشترط في ثبوت هذا الشرط العلم بل يجوز إثباته بكلما دل الدليل على حجيته ومن جملته أصالة عدم الحادث فإن الدليل وهو الإجماع والعمومات الدالة على حجية الاستصحاب قد دل على حجيته ولا يعارض ما ذكر أصالتا عدم تعلق الحكم المعلق على اللفظ بالمعنى الحقيقي وعدم إرادته لمعارضتهما بأصالتي عدم المتعلق بالمعنى المجازي وعدم إرادته فيبقى ما ذكرناه من الأصل سليما عن المعارض لأنا نقول لا نسلَّم حجية الاستصحاب في أمثال هذه المسائل حيث لم يحصل منه الظن كما هو المفروض في محل البحث لعدم الدليل عليه والعمومات الدالة على حجيته الاستصحاب لا نسلَّم شمولها لمحل البحث وأما مع حصول الظن فهو حجة ولكنه خارج عن محل البحث سلمنا حجيته مطلقا ولكن أصالة عدم القرينة واستصحابه لا يجري في صورة وجود شيء نشك في كونه قرينة كما لا يخفى فيجب فيها التوقف وعدم الحمل على الحقيقة وإذا ثبت فيها التوقف ثبت في صورة الشك في أصل وجود القرينة التي يجري فيها الاستصحاب إذ لا قائل بالفصل بين الصورتين وفيه نظر أما أولا فللمنع من عدم جريان الاستصحاب في الأولى بل هو جار فيها ومرجعه إلى أصالة عدم التفات المتكلم إلى كون الشيء الموجود قرينة وعدم جعله قرينة ولا شك أنهما من الأمور الحادثة التي تدفع بالأصل في مقام الشك وأما ثانيا فلأنه معارض بمثله وذلك لأن الاستصحاب يجري في الصّورة الثانية كما تقدم إليه الإشارة فإذا وجب الحمل على المعنى الحقيقي فيها بحكم الاستصحاب وجب في الصورة الأولى لعدم القائل بالفصل وهذا أولى بالترجيح لأن هذا مثبت للحكم المخالف للأصل ولا كذلك الأول وقد تقرر أن المثبت مقدم على النافي وأيضا طرح هذا مستلزم لطرح الدليل الخالي عن المعارض ولا كذلك طرح الأول كما لا يخفى نعم قد يقال أصالة عدم القرينة معارضة هنا بأصالة عدم تعلق حكم من جهة الخطاب المفروض بالمكلف وهذه أولى بالترجيح لاعتضادها بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم وبسيرة أهل اللسان فتأمل وقد يقال لو كان حمل اللفظ على معناه الحقيقي مشروطا بحصول الظن بإرادته لبطل التمسك بأكثر الظواهر الشرعية وهي التي قد عارضها نصوص ضعيفة إذا كانت أقوى دلالة منها لأنه بعد ملاحظتهما يحصل الشك في إرادة ظواهرها وذلك معلوم وجدانا واللازم باطل اتفاقا فإنهم قد أطبقوا على وجوب العمل بالظواهر التي قام الدليل على حجيتها وإن عارضها من الروايات الضعيفة ما يوجب الشك في بقائها على ظاهرها بل لو عارضها ما يوجب الظن بصرفها إلى خلافه لا يلتفت إليه أيضا إذا لم يقم من الشرع دليل على حجيته كظن القياس وظن الشهرة ونحو ذلك وهذا معلوم من طريقة الأصحاب ألا ترى أن المرتضى ومن وافقه في ترك العمل بأخبار الآحاد وإن كانت صحيحة يأخذ بظواهر القرآن والسنة المتواترة إذا عارضها من الأخبار الصحيحة ما يوجب حملها على خلاف ظاهرها وكذلك القائلون بعدم حجية الشهرة والخبر الموثق والحسن ونحو ذلك من الأمارات التي تفيد الظن لا يلتفتون إليها أصلا فيما إذا عارضت الظواهر التي قام الدليل على اعتبارها ولا يتوقفون في العمل بها من جهة معارضتها بما ذكر ولو كان حمل اللفظ على المعنى الحقيقي مشروطا بظهور عدم القرينة لكان الواجب التوقف في العمل بالظواهر المعارضة بتلك الأدلة ولما جاز لهم أن يقولوا في ردّ من جوّز الصرف بها على أصالتي عدم حجيتها وبناء الظواهر على حالها لأن للخصم أن يقول كما أن الأصل عدم حجيتها كذلك الأصل عدم حجية تلك الظواهر فيما إذا عارضها تلك الأمارات وقد علمنا من حالهم خلاف ذلك وبالجملة الذي اتفق عليه الأصحاب قديما وحديثا بل المسلمون قاطبة هو الرجوع إلى الظواهر التي قام الشرع على حجيتها وعدم جواز العدول عنها حتى يثبت الصارف عنها من دليل من الشرع فثبت أن طريقتهم لزوم العمل بالظواهر تعبدا لا باعتبار كونها كاشفة عن الواقع وليس لأحد أن يقول إن الظنون التي لا يكون حجة إذا عارضت الظواهر التي ثبت حجيتها لا تفيد الظن أو لا توجب الشك في إرادة ظاهرها لأن ذلك معلوم البطلان لأن إفادة الأمارة الظن لا يتوقف على حجيته بل ذلك مرجعه إلى الوجدان ونحن نجد ذلك قطعا فحينئذ حيثما ورد من الشرع ظاهر يجب الأخذ به حتى يثبت الصارف عنه بيقين وإن حصل الشك في بقائه على ظاهره ولكن على هذا يلزم أن لا يكون المجتهد غالبا ظانا بالحكم الواقعي ويكون عمله بالظواهر كعمله باليد والإقرار وغير ذلك من الأسباب التي لا تكشف عن الواقع وهذا أيضا خلاف ما يستفاد من طريقتهم فإن المجتهد عندهم ظان بالحكم الواقعي كما لا يخفى فتأمل والتحقيق أن يقال إن الذي يقتضيه الأصل هو لزوم العمل بظواهر الألفاظ